قصص وعبر

كان في مدينة قديمة حارس مشهور لا يُؤتى من جهته، قوي البأس، شديد الانتباه، حتى قال الناس: لو حاصروا مدينته شهراً ما استطاعوا دخولها. وكانت للمدينة أسوار عالية، وأبواب من حديد، وحرس على الطرقات. فلما أراد عدوها إسقاطها، لم يهاجم الأسوار. بل أرسل رجلاً واحداً يسأل عن أضعف أبواب الحارس نفسه. فقيل له: يغضب سريعاً إذا انتُقص. فقال: وجدنا المدخل. وفي اليوم التالي وقف رجل عند باب المدينة وصاح فيه بكلمات مهينة. فغضب الحارس، وترك موضعه، وفتح الباب يريد أن يلقنه درساً. وكان خلف الرجل كمين صغير. لم تسقط المدينة يومها، لكن العدو عرف الباب. فعاد مرة أخرى. هذه المرة لم يرسل شاتماً، بل أرسل مادحاً. قال للحارس: ما رأينا مثلك شجاعة، ولا أقدر منك على حماية الناس، وأنت أحق بالقيادة من فلان. فأعجبه الكلام. فصار يجلس مع الرجل، ويسمع منه، ويكشف له شيئاً من أخبار المدينة. عرف العدو باباً ثانياً. ثم جربوا معه باباً ثالثاً: المنافسة. أخبروه أن حارساً آخر صار أشهر منه، وأن الناس يثنون عليه أكثر. فصار همه أن يثبت أنه الأفضل، وبدأ يترك بعض واجبه ليراقب صاحبه. ثم جربوا باباً رابعاً: الخوف. أشاعوا أن المدينة ستسقط لا محالة، فصار متوتراً، يشك في كل أحد، ويتخذ قرارات متسرعة. ومع الأيام لم يكن العدو قد كسر سوراً واحداً. لكنه كان قد دخل من كل باب في نفس الحارس. وفي ليلة جاء إليه شيخ يعرفه منذ صغره، وقال له: يا بني، أنت تحرس أبواب المدينة، فمن يحرس أبوابك أنت؟ سكت. قال الشيخ: دخلوا إليك من الغضب، ثم من المدح، ثم من المنافسة، ثم من الخوف. ولو بقيت أسوارك من حديد، فإن المدينة تسقط إذا سقط صاحب المفتاح. قال الحارس: فماذا أفعل؟ قال: اعرف مداخلك قبل أن يعرفها عدوك. إذا مدحوك، فاسأل نفسك: ماذا يريد هذا المدح مني؟ وإذا أغضبوك، فلا تجعل غضبك يقودك. وإذا سبقك غيرك، فلا تحول نجاحه إلى حرب داخل صدرك. وإذا خفت، فلا تجعل الخوف يكتب لك قراراتك. وإذا أحببت شيئاً، فلا تجعل حبك له يعميك. ثم قال له: الشيطان والهوى لا يحتاجان دائماً أن يكسراك من الخارج؛ يكفيهما أن يجدا باباً غير محروس في داخلك. ومن يومها غيّر الحارس طريقته. لم يعد يفتش فقط عن السيوف خارج الأسوار. صار يفتش عن الغضب في قلبه قبل أن يتحول إلى قرار، وعن العجب قبل أن يتحول إلى كبر، وعن الحسد قبل أن يتحول إلى خصومة، وعن الخوف قبل أن يتحول إلى ضعف. وبعد سنوات سأله ابنه: يا أبي، ما أعظم ما تعلمته في الحراسة؟ قال: كنت أظن أن الهزيمة تبدأ حين يدخل العدو من الباب. ثم قال: وعرفت أن الهزيمة تبدأ قبل ذلك بكثير… حين يجد العدو فيك باباً مفتوحاً. فاحرس مداخلك؛ فقد تعجز الدنيا أن تهزمك من أمامك، ثم تدخل عليك من باب صغير في نفسك، فتُهزم من داخلك وأنت تظن أنك ما زلت واقفاً. #سيرة_وسائر

تم النسخ
احصل عليه من Google Play