. قصة: الأسد والثعلب وفخذ اللحم يُحكى أن أسدًا كان يتولى القضاء في غابة واسعة، فكان يأتيه المتخاصمون من كل مكان، ويجلس أمامهم في مجلسه، ثم يسمع حججهم ويصدر حكمه. وكانت الحيوانات تظن أن الأسد، بما له من هيبة وقوة، سيحفظ الحقوق ويمنع الظلم. لكنها لم تكن تعرف سرًا خطيرًا... فقد كان الأسد يحب الهدايا، وكلما كانت الهدية ثمينة، كان قلبه يميل إلى صاحبها، ولو كان الحق في غير جانبه. وذات يوم، جاء إلى مجلسه ثعلب وغزالة. وقفت الغزالة وقالت: — أيها القاضي، لقد أتعبني هذا الثعلب وأفسد عليّ حياتي. نظر إليها الأسد وقال: — وما الذي فعله بك؟ قالت: — كلما رآني أخافني! مرة يخرج من بين الشجيرات ويصرخ في وجهي، ومرة يقف خلف شجرة ثم يفاجئني، ومرة يقلد أصوات الحيوانات ليرعبني، بل إنه في الليل ارتدى جلدًا أسود وأخذ يحرك الشجيرات حول جحري حتى ظننته شبحًا! ثم قالت بحزن: — لم أعد أعرف متى أخاف ومتى أطمئن، ولا عدوي من صديقي. صرت إذا خرجت من بيتي ألتفت خلفي عشر مرات، وأحيانًا أبقى في جحري ولا أخرج. نظر الأسد إلى الثعلب بعبوس شديد، وكاد أن يعلن حكمه. لكن الثعلب، الذي كان يعرف طبع الأسد، أخرج من جرابه فخذًا كبيرًا من اللحم. ثم رفعه أمام الأسد ولوّح به قليلًا. توقفت كلمات الغزالة. أما الأسد، فما إن وقعت عيناه على اللحم حتى تغير وجهه. لمعت عيناه، وسال لعابه، ثم سأل الثعلب: — وهل لديك ما تقوله دفاعًا عن نفسك؟ ابتسم الثعلب وقال: — نعم أيها القاضي. ثم أشار إلى الغزالة وقال: — كل ما فعلته أنني كنت أدربها على الحذر! فالغابة مليئة بالصائدين والحيوانات المفترسة، وأنا أردت أن أجعلها أكثر يقظة. حدق الأسد في الغزالة وقال: — أهذا صحيح؟ قالت الغزالة: — لكنه كان يرعبني دون سبب! فضرب الأسد الأرض بمخالبه وقال: — بل كان ينفعك وأنت لا تعرفين قدر معروفه! ثم أصدر حكمه: — يُعاقب الثعلب؟ كلا! بل تُعاقب الغزالة على اتهامها لحيوان أراد لها الخير، وعلى جرح مشاعره بعد كل ما فعله من أجلها! شهقت الغزالة من شدة الصدمة. أما الثعلب، فأخفى ابتسامته وقال: — شكرًا لك أيها القاضي العادل. ثم استدار ليغادر. فناداه الأسد: — إلى أين؟ قال الثعلب: — إلى جحري يا سيدي. ثم نظر الأسد إلى فخذ اللحم وقال: — وماذا ستفعل بهذا؟ تظاهر الثعلب بالدهشة وقال: — هذا؟ ثم ابتسم وقال: — هذا طعامي. قطب الأسد حاجبيه وقال: — طعامك؟ إذن لماذا كنت تلوّح به أمامي؟ ضحك الثعلب وقال: — أردت فقط أن أسرّع في القضية، وأفهمك أنني مستعجل، فظننت أنك ستفهم الإشارة. ثم انحنى أمام الأسد وقال: — وأشكرك لأنك فهمتني ولم تُطل القضية. وغادر الثعلب وهو يكتم ضحكته. أما الأسد فبقي ينظر إلى فخذ اللحم الذي لم يحصل عليه، وقد أدرك متأخرًا أن الثعلب كان أذكى منه. وقال في نفسه: — لقد خدعني هذا الماكر! ثم سكت قليلًا وأضاف: — لكنني أنا من علّمه كيف يخدعني. العبرة: من جعل الطمع ميزانًا للحكم، اختلّ عليه ميزان العقل؛ فالقاضي الذي يبيع عدله، قد يجد نفسه يومًا ضحيةً لمن تعلّم كيف يستغل طمعه. #قصص #حكايات #حكمه #عبره #قصة_و_عبرة