خرائط التنزيل لماذا قال يوسف عليه السلام : لا يأتيكما طعام ترزقانه؟ ولم يقل: لا يأتيكما شيء؟ هذه الآية تبدو لأول وهلة وكأن يوسف عليه السلام يخبر صاحبي السجن بقدرة خاصة على معرفة بعض الأمور قبل وقوعها. لكن القرآن هنا لا يختار ألفاظه عبثًا... فلماذا خصَّ الطعام بالذكر؟ ولماذا وصفه بأنه رزق؟ ولماذا قال: بتأويله قبل أن يأتيهما؟ هنا يبدأ الكشف... يوسف لم يكن يتحدث عن الطعام باعتباره مجرد أكل. فالطعام في القرآن يرتبط دائمًا بما يمد الحياة. ولهذا قال الله: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} وقال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فالطعام هو ما يدخل الإنسان ويصير جزءًا منه، وما تقوم به حياته. لكن العجيب أن يوسف لم يقل: لا يأتيكما طعام تأكلانه... بل قال: {طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} فربط الطعام بالرزق. لأن الرزق في القرآن ليس مجرد امتلاك الشيء... بل هو ما ساقه الله إليك في وقته، وقدره لك، وجعله سببًا لبقائك. وكأن يوسف يلفت نظرهما إلى معنى أكبر: أن حتى الطعام الذي سيأتيكما بعد قليل... قد سبق في علم الله. وسبق في تقديره. وسبق في رزقكما. فإن كان الله يعلم ما سيصل إلى أفواهكما بعد لحظات... فكيف لا يعلم مصيركما كله؟ وكأن يوسف يفتح لهما بابًا إلى الإيمان من أقرب شيء إليهما... من لقمة الطعام القادمة. ثم قال: {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} وكلمة التأويل من الأَوْل... أي الرجوع والعودة إلى الأصل. فالتأويل ليس مجرد تفسير. بل إرجاع الشيء إلى حقيقته التي سيؤول إليها. ولهذا سميت رؤيا الملك تأويلًا... وسميت رؤيا يوسف تأويلًا... لأن التأويل هو رؤية النهاية المختبئة داخل البداية. يوسف لم يكن يخبرهما عن الطعام نفسه... بل عن ما يؤول إليه أمر الطعام قبل وصوله. كأن حجاب الزمن قد انكشف له بإذن الله. ولهذا لم يقل: أخبركما به... بل قال: {نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} والنبأ في القرآن هو الخبر العظيم الذي له أثر. فهو لا يخبرهما عن قائمة الطعام... بل عن نظام إلهي أكبر: أن كل رزق له تقدير. وكل حدث له غاية. وكل شيء يسير نحو مآله الذي يعلمه الله. ثم انظر إلى العجيب... بعد أن ذكر هذه القدرة مباشرة قال: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} لم ينسب العلم إلى ذكاء. ولا إلى رياضة روحية. ولا إلى موهبة شخصية. بل إلى التعليم الرباني. وكأنه يقول: الذي علمني مآلات الأشياء... هو الذي علمني أيضًا كيف أرى الدنيا. ولهذا انتقل مباشرة إلى العقيدة: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} ما العلاقة؟ العلاقة عميقة جدًا... فمن لا يؤمن بالآخرة يعيش أسير اللحظة. يرى الطعام طعامًا. ويرى الرزق مالًا. ويرى الأحداث وقائع متفرقة. أما من علمه الله... فإنه يرى ما وراء الأشياء. يرى مآلاتها. يرى أن كل رزق يحمل رسالة. وأن كل حدث يسير نحو غاية. وأن كل بداية تخفي نهاية. ولهذا بدأ يوسف بالطعام... لأن الطعام أقرب شيء إلى الإنسان. وأشد ما يشعره بحاجته وفقره. فمن أدرك أن حتى اللقمة التي لم تصل إليه بعد قد سبقت في علم الله وتقديره... اقترب من إدراك سر أعظم: أن حياته كلها... برؤاها، ومحنها، وسجنها، وفرجها... تسير كذلك إلى تأويلها الذي يعلمه الله. وربما لهذا لم يبدأ يوسف بدعوة صاحبيه إلى الإيمان من السماء... بل بدأ من الطعام. لأن أقرب طريق إلى الله... قد يبدأ أحيانًا من لقمة تنتظرها، دون أن تدري أن الله قد كتبها لك قبل أن تصل إلى يدك. #خرائط_التنزيل #د_كريم_عبد_الرازق