عبارات وخواطر

أكتبُ إليكِ من آخرِ العمرِ لا من أوله، ومن آخرِ الحلمِ لا من بدايته، ومن مكانٍ بعيدٍ في القلبِ لا تصلُ إليه الكلمات. أكتبُ إليكِ وقد أثقلني الحزنُ حتى شعرتُ أن روحي تمشي منحنيةً تحت أوزارِ الأيام. لم أعد كما كنت ثمة شيءٌ انكسرَ في داخلي ذاتَ مساءٍ ولم يلتئم. وثمة ضوءٌ كان يملأُ روحي ثم غادرها بصمت. وثمة إنسانٌ كنتُ أعرفه في أعماقي، كان يضحكُ كثيراً ويحلمُ كثيراً ويؤمنُ كثيراً... ثم اختفى. ومنذُ ذلك الوقت... وأنا أبحثُ عني. أبحثُ عن ذلك القلبِ الذي ضاع بين الخيبات. وعن تلك الروحِ التي أنهكها الانتظار. وعن ذلك الأملِ الذي كان يضيءُ لي الطريقَ كلما أظلمت الدنيا. لكنني لا أجدُ إلا التعب. ولا أجدُ إلا الحنين. ولا أجدُ إلا هذا الحزنَ العتيقَ الذي يجلسُ في أعماقي كشيخٍ هرِمٍ يرفضُ الرحيل. إنني متعب. متعبٌ على نحوٍ لا تصفه القصائد. ولا تحتويه الرسائل. ولا تفهمه الدموع. متعبٌ من مقاومةِ الأشياءِ التي لا تُقاوَم. من مقاومةِ الغياب. ومقاومةِ الذكرى. ومقاومةِ هذا الفراغِ الذي يتسعُ في القلبِ كلما رحلَ عنه شيءٌ نحبه. أخافُ أن يطولَ بي هذا الليل. وأخافُ أن أصبحَ غريباً عن نفسي. وأخافُ أن أمضي في الطريقِ أكثر، فلا أجدَ في آخره إلا مزيداً من التعب. أخافُ من ذلك الصمتِ الذي يسكنني. ومن تلك الوحدةِ التي تجلسُ إلى جواري كلَّ مساء. ومن تلك الأسئلةِ التي لا جوابَ لها. لماذا يرحلُ الجميلُ سريعاً؟ ولماذا يبقى الحزنُ طويلاً؟ ولماذا نمنحُ قلوبَنا للحياةِ بكلِّ هذا الحب، ثم تعيدها إلينا مثقلةً بالجراح؟ لقد حاولتُ كثيراً أن أكونَ قوياً. لكن القلبَ ليس حجراً. والروحَ ليست فولاذاً. والإنسانُ مهما تظاهرَ بالصبر، يبقى في داخله طفلٌ صغيرٌ يرتجفُ كلما اشتدَّت عليه العواصف. وأنا يا حبيبتي... منذُ زمنٍ طويلٍ أرتجف. أرتجفُ من الفقد. ومن الخوف. ومن الحنين. ومن هذا الشعورِ القاسي بأن العمرَ يمضي أسرعَ مما ينبغي. كلُّ شيءٍ يبتعد. الأيام. والأحلام. والوجوه. والأماكن. حتى أنا... أشعرُ أنني أبتعدُ عن نفسي شيئاً فشيئاً. كأنني أقفُ على ضفةِ العمر، وأشاهدُ حياتي تغرقُ ببطء، ولا أملكُ سوى النظر. ما أقسى أن يُصبحَ الإنسانُ غريباً في قلبه. وما أقسى أن يحملَ كلَّ هذا الحزن ولا يجدُ من يضعُ رأسه على كتفه ويبكي. وما أقسى أن يُرهقه الحزنُ إلى هذا الحد، ثم يبتسمُ للناسِ كي لا يسألوا. لقد تعبتُ... تعبتُ من ادعاءِ القوة. ومن ترتيبِ الخرابِ كلَّ صباح. ومن إخفاءِ الدموعِ خلف الكلمات. ومن إقناعِ نفسي أن الغدَ سيكونُ أجمل. فبعضُ القلوبِ لا يقتلها الفراق. ولا يهزمها الألم. إنما يقتلها التعب. ذلك التعبُ الصامتُ الذي يتسللُ إلى الروحِ قطرةً قطرة. حتى يُطفئَ فيها الأغاني. ويُطفئَ فيها الأحلام. ويُطفئَ فيها الرغبةَ في كلِّ شيء. ثم يتركها واقفةً في منتصفِ الطريق.*

تم النسخ
احصل عليه من Google Play