رمضان

إذا دخل رمضان طرأت تغيراتٌ أربعةٌ في الكون: 1- تُصفَّد الشياطين، وبهذا يضعف التزيين والإغراء فيبقى الصائم على حيويته من الإقبال على الخير وهجر الشر. 2- تُفتح أبواب الجنة، وهذا يُؤذن بفتح أبواب الحسنات، وعندئذٍ لا يوجد كبير مجاهدة في فعل الطاعات، ولهذا تجد الرجل يصوم النهار ويصلي التراويح ويقوم الليل ويختم ختمةً قرآنيةً أو أكثر ويتصدق ويصل الرحم ويذكر الله كثيرًا وغير ذلك الكثير مما يتيسر له. 3- تُغلق أبواب النار، وهذا يؤذن بغلق أبواب السيئات، وحينئذٍ لا يوجد كبير مجاهدة في ترك السيئات، ويمكن أن يمضي الشهر كله من غير أن يُرهق ظهره بأحمال الذنوب، وقد كان قبلُ يعاني السيئات ويقاسي الخطيئات ويجاهد أشد المجاهدة حتى يجد الاستقامة. 4- يتوقف القانون المعتاد للآخرة؛ فالأصل أنها تُطلب ولا تَطلب، وتُستجدى ولا تستجدي؛ لأنها عزيزةٌ في نفسها، لا تزاحم القلب لو امتلأ بالدنيا، بخلاف الدنيا؛ فإنها ذليلةٌ تزاحم الآخرة لو امتلأ القلب منها. ولهذا لو تركتَ وردك من القرآن يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا أو سنةً أو دهرًا ما تألمت، بينما لو تركت طعامك يومًا واحدًا ما تحمَّلت، مع أنَّ حاجة الروح إلى القرآن أشد من حاجة الجسد إلى الطعام. وجاء ذِكْرُ هذه التغيرات الأربعة في حديثٍ واحدٍ؛ فقد أخرج الترمذي وابن ماجه وغيرهما بسندٍ صحيح من حديث أبي هريرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة. فيا أيها الفاضل: قد فتح الله لك كلَّ بابٍ وأزال كل حاجز لتدخل، فلا تقصر في الدخول أو تتقهقر، ولهذا رغم أنف رجل أدرك رمضان ولم يغفر له. فتقدم ولا تيأس، ولا تستعظم ذنوبك؛ فإنها تطيش في مقابلة عفو الله وكرمه، وهذه أيام الخوض في رحمة الله جلَّ جلاله، وقد قال الله الرحيم الودود: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا}، وقال سبحانه: {ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا}.

تم النسخ
احصل عليه من Google Play